السبت، مارس 23، 2013

يَا وَطَنَاً كُنْتَ يَوْمَاً كَأُمّي ..




يا وطني الرائع يا وطني ..

يا وطنا صرتَ يوماً كأمّي ، كنت أحبك كمراهق –صدقني- ، كان يدق قلبي لو أسمع اسمك ، لا تغيب عن خيالي في صحوي أو نومي ، كنت لو راودتني فكرة السفر وترك ترابك أبكي ، كنت أرى أن لا شيء يستحق حبي كمثلك..


كنت وقتها رائعاً ، تُشعرني بغناك رغم حاجتك ، كنت تدفئنا نحن الصغار رغم بردك ، كنًا في أحلك ساعات الظلمة نراك منيراً
كنت أرى فيك المثل القائل "تموت الحرة ولا تأكل  بثدييها " ، وكنت أراك وحدك تقف في وجه الطوفان الجارف ، تحاول رغم صغرك مجابهته ، فتنجح ! فقط لأنك كنت صادق.

ولكن ، مالكَ يا وطني أراك انتفخت ، ليس انتفاخ شحمٍ بل ورم!
ترهلت وبدت التجاعيد على وجهك الذي كان كوجه فتاة تُنعت ببدر البدور ،  أصبحت تمتلك معدة سيئة تتقبل كل جيد وفاسد من الطعام ، لا ترفض شيء ، ولأنك كنت تشترط الجميل ، فانهم يغلفون لك القبيح بالأوراق الملونة ، وأنت تعلم أنه قبيحا ، ولكنك تتقبله.

مالك يا وطني بدأت تحتضن بين ذراعيك الفساد ، بعد أن كنت وهو ضدّان لا يلتقيان ، أصبحت مرتعاً للوساطة والمحسوبية والنصب ..
كانت بوابتك هي أسمى ما يتمناه كل نبيل ،كان الدخول منها إليك نصراً من أحرزه  فله كل ألقاب البطولة ، له كل زغاريد النساء الشريفات ..

فمالي أرى بوابتك اليوم  صارت ممرا لقوافل تأتي لتبيت في أبهي الفنادق وتأكل خير الطعام ، تُنشىء مؤتمراً وتنصرف ، صارت ممر المنشدين الراقصين ، والممثلين والمغنيين ، من أراد أن ينشأ ألبوما يأتي إليك ليجمع حوله الخلق المغفلين ، وباسم الوطن –يعني اسمك أنت – يهزون أكتافهم ، وان لم تكن أردافهم على ألحان موسيقى ، أحدهم أفتى بحلّها ، ويعصون الله فيك يا بلد الطهارة يوماً كنت

وأنت بلا غضب ، بل بكل رضى تستقبلهم تقبّل رؤوسهم وتنحني لهم ، تصفق بشدة،و تعطيهم وسام شرف في عنق كل واحد منهم ،
أخاف أن يستمر انحدارك الذي قد ابتدأ ، وأراك يوماً تحمل بندقية محشوة برصاص مزيف ، ترقص بها مع عدوٍ لنا جاء يعطيك دعماً ، كالذي رقص بالسيف المهين مع قاتل أطفال العراق ..

وصدّقني أول الانحدار هزّة كتفٍ على صوت نغم.
أيها الوطن العظيم ، يوما ما شدّت عظمتك أنظار كاميرات العالم ،
واليوم تتصيد هذه العدسات زلّاتك وعثراتك ، تشهّر بك ،باتت تنشر غسيلك القذر ،

يا وطناً كنت أمي وأبي ، كنت أنا ، كنت هواءً ينعش صدري 
حنانيك لا تتحول لزوجة أب تتحين الفرص لتكيد لأبنائه ،
حنانيك لا تتحول إلى أول أكسيد كربون ، نستنشقه ، فنختنق ..
حنانيك يا وطن ، عد كما كنت ، ولكني أعدك لو عدت أنني لن أعد لأحبك كما كنت ، فيا وطني الذي كنت جميلا ، من وجهك القبيح ، تعلمت ..




الخميس، فبراير 07، 2013

سَأَكُونُ يَوْمَاً البَلْسَمَا



هناك على مكتبي ، مكان تعبُّدي ، حيث أقترب إلى الله أكثر ، كلّما ازدتُّ تركيزاً واندماجاً مع كتبي ...

إنني أحب العلم ، أحب الدراسة ،أشعر بالمتعة حين يكون كل تركيزي بتلك الصفحات وما تحمله من علمٍ أشتهيه .

أحياناً أعجز عن فهم موضوع معين ، أو تُربكني مادةٌ بصعوبتها ، أقترب من اتخاذ قرار بترك هذا الموضوع ، بل وأحياناً ينتابني الملل من ساعات الدراسة الطويلة ... ولكن وقتها ، وقبل أن أسمح لشيطان الفشل أن يوسوس لي ، تجيء بمخيلتي صورة _إنني أنا أرتدي ثوبي الأبيض وأقف في ممر مشفى ، ومن بعيد أشخاص قادمون نحوي مهرعين ينادون "دكتور سجود ، دكتور سجود ،إنها حالة طارئة"- ، أبتسم ،

أدعو في نفسي : اللهم اجعلني لعبادك المرضى رحمةً ، بلسماً وترياقاً ،
 وأعود لمواصلة دراستي بنشاطٍ ...




الثلاثاء، نوفمبر 20، 2012

سلامٌ على الطفولة ..سلامْ .

تنبيه قبل القراءة : لا تُمنع أي فئة من مشاهدة هذه التدوينة ، سواء الأطفال أو النساء أو الشيوخ .
.
.
.
قبل البدء .


سلامٌ يعتنق أرواحكم ، سلامٌ لا يشبه السلام الذي يتحدث عنه العالم ، لأنه سلام قبيح ، ليس جميلاُ كوجوهكم الملائكية ،
 انطلقي أيتها الأرواح إلى حيث لا تعبٍ ولا نصب ، إلى حيث لا صواريخَ ولا رصاص ، إلى حيث لا خُطبٍ للعرب ، انطلقي أيتها الطفولة  إلى حيث المكان المناسب لبرائتك ، انطلقي إلى الجنة ، هناك حيث العدل السرمدي.

"أطفال عائلة الدلو ، حيث تم استهداف المنزل بأطنان من القنابل بدون تحذير واستشهد احد عشر فلسطين فيه كلهم نساء وأطفال عدا رجل واحد "
.
.
وبعد الطفولة

افتحوا جميعاٌ اعينكم ، لماذا وضعتم أيديكم عليها ؟؟ لماذا أخفيتم الشاشة عن عيون أمهاتكم ،زوجاتكم وأبنائكم؟؟ 
هل خفتم عليهم !، هل المنظر بشع ؟

لك الله يا أم الشهيد ، كيف ستقبّلينه وقت الوداع !!
.
 كان بشراً ،صار فحماً ،  لا بل صار روحاً زكية يفوح عطرها في السموات العلا ، إنه عريس ، العريس الذي تزفه الآن السموات السبع وجنانها ، إنه جميل ، جميل إلى حد يغري حواري الجنان أن يتنازعن لاستقباله ، ولكن انتظري أيتها الحوريات ، فباب السماء متسع لكنّ جميعاً ..

" الصحفي الذي يجاهد في لواء (فضائية الأقصى) ، كان يتوجه وصديقه من التغطية في مشفى الشفاء إلى التغطية في مكان آخر ، فاصطادتهم آلة الحرب ، بصواريخ أحرقت أجسادهم "
.
.
.
عودة إلى الطفولة ، التي أضحت .... قل لي أنت ، بربك ان بقي لديك شيء يقال ..



ما هذا ؟
إنه درس تشريح ، في كلية الطب ... كلّا ، فما كهذه الجثث في مشارح كليتنا !!
إنها أشياء - يا عزيزي - لا تُقال !
كانا نائمين ، يستيقظان كل بضع دقائق على صوت غارة ، 
وفي كل مرة ، تقول امهم : عودوا للنوم ، إنهم يقصفون أماكن خالية !
فيعودون للنوم ارضاءً لأمهم ،
يتكرر ذلك كل ليلة  الكثير من المرات ، 
في المرة الأخيرة ، سمعوا صوت الغارة ، فاستيقظوا ، قالت لهم أمهم على غير العادة : استيقظا ولا تناما بعد هذه ، فنحن انتقلنا إلى الخلود ... كانوا في الجنة !

واستكمالاً مع الطفولة .


" بابا .. شايف اديش أنا حلوة ، مالك يا ماما زعلانة ، ليش بتطلعي فيني هيك ! ، انا زعلتك اليوم ؟ انا سكبت الأكل على أوعيّ الحلوين ! ، لا يا ماما ما عملت شي ، طيب ليش بتطلعوا فيني هيك ؟ 
ماما ، بابا ، أنا في الجنة مو محروقة ، أنا في الجنة حلوة كتير كتير ، بس تيجوا بتشوفوني ما أحلاني "
.
كلا الصورتين لعصفورة .. فهل هذا شيء يُعقل !
نعم يا سيدي ، في غزة كل شيء معقول ..
هنا .. لم يغتالوا الطفولة فحسب ، بل حرقوها ، شوهوها ، أحالوها فحما ...!





"أختي ، لقد نمنا معاً ، واستيقظنا على صوت الغارة معاً ، وجاؤوا بنا إلى المستشفى معاً ، فأين تذهبين ! ، لمَ لست معكِ الآن ، أمنا وأبونا على سرير آخر ملفوفين بغطاء أبيض كله بقع حمراء وسوداء ، 
أستغرب ، كيف لم يستيقظا بعد على صوت القصف ، وكيف يبقوا نائمين ، وهذا الرجل يصحبكِ إلى مكانٍ بعيد ،
اختي .. خذيني معك "



" انا سعيد أيها العالم  الاحمق ، سعيد رغم ان الدماء تغطي وجهي الوسيم ،
سعيدً لأنّ دمائي هذه سالت لأجل القضية ، القضية التي أعرفها بكل تفاصيلها "

سلامٌ على الطفولة ، سلام 


.....
أنا لم أتعمد البحث عن الصور المؤلمة هذه ، لأن كل صور هذه الهجمة الصهيونية كانت بشعة ، مؤلمة ، إلى حد البكاء ن إلى حد الحقد 
.
إنه اليوم .. يوم الطفولة العالمي ، وهذه هي الطفولة في بلادي












الأحد، نوفمبر 11، 2012

عَلَيْكِ سَلَامُ اللّهِ .. سُوريّا



كان - ذاك القاتل - عادلاً ، حينما لم يستثنِ اسمي من قائمة المسفوكة دمائهم ، الصاعدة أرواحهم إلى السماء ، بعد أن أدرج اسمك فيها -يا أمي- .


في بلاد أنفقت كل أكفانها على الراحلين قبلنا ، ولم تُبقِ لجسدينا الاثنين كفناً واحداً ، سيلفُّ أبي المسكين جسدكِ بشال عرسكِ والطرحة  ، ويلفّني بِــ " كفولتي البيضاء" ، ونصعد إلى السماء كـــ مَلَاكَيْن طاهِرَيْن .


قبرٌ واحدٌ - يا أمي - سيضمنا ، في بلادٍ باتت تتسوّل أمتاراً من أرضٍ ...للمقابر .



سوريّا .. 
نحن  ذاهبان .. عليكِ السلام يا أمُّ 
عليكِ السلام ، سلامٌ  سيحمل في منقاره  غصون زيتونٍ بعدد أجساد الذين صعدت أرواحهم إلى السماء ، وارتوت أرضك من دمائهم 
سلامٌ يجيء  بعد طول عناء ، وبعد نهر دماء ، وبعد أن نستنفذ الآه في الحناجر ..
.
.
.

سلامٌ عليكِ يا شامُ ، قلبي يبكي عليكِ

ولكن لا ينفعك البُكا ولا النحيب 

أستميحك عذراً ، 

فالأيام دُوال 
كما طلبتِ منا العذرَ يوم كنا "نقتات الكلاب "
فأنا اليوم أفعل ، يوم "اقتاتك الكلاب"
هكذا نحن "العرب"
يا سيدتي ، سيوف من خشب .

.

.
.
عليكِ سلامُ اللهِ .. سوريّا 

الاثنين، سبتمبر 24، 2012

وربما يقتاتني الحنين ...!






قل لكل الأشياء التي أقول لها وداعاً ،أنا لست أقصد أن أتركها ، قل لها أن تصفح لي عن الآلام التي أورثها إياها غيابي ، واطلب منها جميعاً ألا يفكر أحدها أن ينتظر عودتي في المساء ، لأنهم سينامون بجانب النوافذ دون أن آتي ، وانا أخاف عليهم البرد وأصوات الرياح الهائجة في الليالي الموحشة .
وقل لهم ألا ينتظروني على مائدة الطعام بجانب المدفأة ، وأن يعطوا نصيبي لجارنا الفقير في البيت المجاور ، فهو يمتلك زوجةً وابنتين ، سيفرحون بالطعام .
أما أنا .. فسأقتات من غربتي النظر إلى صوركم .
وربما يقتاتني الحنين.

السبت، سبتمبر 08، 2012

إنَّه صَبَاحُ اليَوْمِ الأَوَّلِ مِنْ عَامِي التَّاسِعِ عَشَرْ


إنَّه صَبَاحُ اليَوْمِ الأَوَّلِ مِنْ عَامِي التَّاسِعِ عَشَرْ
سأتفاءل .. كل ما في هذا الكون يدعونا للتفاؤل
سخّر الله لنا في الكون وفي أنفسنا أشياء لا تُعد تدعونا لأن نبتسم .
الشمس الجميلة ، تنشر أشعتها على الأرض ، تسلّم على الجميع ، إلا من حجز نفسه في الظلام وأبى هو -نفسه- أن يستقبل تلك الأشعة..
سيكون عاماً حافلاً .. أسأل الله- عز وجل- أن يجعل كل ثوانيه في طاعته ومرضاته.

.
.
فكل عام وأنا ذات إنجازٍ وعطاء .

الاثنين، أغسطس 13، 2012

مجهولو المستقبل .. أيضاً.



ستذهب بقدميك إلى ذلك المكان دون أن يجبرك أحد ، حيثُ يعيشون – هم – أو يموتون دون أن يدري مقدارَ الدمع الذي ذرفته قلوبهم أحد ..
ستقف أمام ذلك البيت ، ستَتَسَمّر قدماك عند المدخل ، وتلبث وقتاً تُغري نفسك الفضوليّة أن تعود من حيث أتت ، ولكنها  سترفض .
وستقرأ  بالخط العريض أعلى باب المدخل "مبرّة الرّحمة لرعاية الأطفال " ، وستشعر وقتها أن لاسم المكان بقيّة ، رفض الكاتب أن يكمله لأنه كان "إنسانياً"..
ستكون جريئا ولكن فضوليّاً أكثر وأنت تصعد الدرج ، هناك تستقبلك المُربيّة ، ستقول لك كلاماً قليلاً عن تاريخ المكان ، قبل أن تصحبك إلى شققهم ، حيث يعيشون أو يموتون ... كلاهما سيّان ..
ستستقبلك ابتساماتهم التي لن يؤذيك شيءٌ بقدرها   وإذا نظرت في عينيهم فسينسج خيالك لكلِّ رضيعٍ منهم مستقبلاً لن يقل جحيماً عن الآخر ، خيالُك لن يكون سيئاً أو متشائماً عندما يفعل ذلك ، لأنّ شهادة ميلاد تحمل "الاسم الأول " فقط ،تجبره أن يفكر كذلك ..
وسترى هناك –في الشقة الأولى – أطفالاً ،أكبرهم يحبو على الأرض ، وسيشد انتباهك طفلاً لم يتجاوز الثمانية أشهر ، ستُبحر في عينيه اللتين بلا مرفأ ، الزرقاوتين كنهر النيل ، الواسعتين كالسماء ، البائستين كتمثال حريةٍ على باب قصر الملك ، وستشفق على جماله ، وتود أن لو تحمله بين ذراعيك لتلاعبه وتناغيه ، لكن يداك ستخوناك ،لأن الخدر أصابهم ، فتحبس دمعةً أطلّت من عينك اليمنى ، ولن تسمح لها بالجريان على خدّك ، لأنك تخاف أن تجرح دمعتك مشاعر الرضيع ذي الأشهر الثمانية ، وقتها ستلعن – في نفسك – "أمَّه" ألف مرة ، ولن تتفوه شفتاك باللعنة ، لأنك تخشى أن تسألك عينا الطفل : وماذا تعني كلمة "أم" التي لفظتها ؟!
وتجيب في نفسك : الأم ، مخلوق خلقه الرحمن أبيضاً ناصعاً ، ولكن الشيطان أصاب بعضه فأصبح أسوداً..
وستجد في أسِرّتِهم الصغيرة المُزيّنة بكل شيء ،دمىً قد تبدو الآن في أعينهم جميلة ،هادئة، حنونة، ولكنهم حين يكبرون قليلاً سيلعنونها ، لأنها كانت طوال الوقت تَتَسَمّع عن كثب لأنّات قلوبهم ، وتراهم وهم يغرسون وجوههم في وسائدهم ليسقوها دمعهم ، ولا يختلف اثنان على أن الدمع  قد يكون بلّل بعض الدمى ذات يوم.
لكنهم برغم ذلك لن يمزقوها أو يحطموها ، لأنها كانت ولا تزال خيراً من "صاحبَيّ الخطيئة " ، فهي لم تتركهم أبداً كما فعل ذاك المخلوقان البائسان ...
في الشقة  الأخرى ، سترى أطفالاً أصغرهم تعلّم المشي حديثاً ، ولكنك لن تستطيع أن تلبث هناك إلا دقائق ، لأنّ طفلةً صاحبةِ عامين اثنين أو ثلاثة ، ستترك ألعابها ، وتمشي نحوك ، كأنها كانت تنتظرك ، وتمسك بملابسك وتناديك : بابا .. بابا .
ستنتزع نفسك من كل الأمكنة ..
وتركض للخارج ، لترممَّ حطام نفسك .

* الجمعية التي تأسست عام 1993 تهتم بالأطفال مجهولي النسب


الأربعاء، يونيو 27، 2012

صرخات آية الأخيرة ..





ستصرخ آية صرخاتها الأخيرة وتنام نومة لن تزعج أمها خلالها بكوابيسها التي يتراءى لها فيها أن رجالاً بملابس سوداء يحملونها من جدائل شعرها الخروبيّ المُمَوّج ، ثم يقطعون رأسها بالسكين  ويضحكون بينما دمائها تبلل ملابسهم وسجادة غرفتها الوردية ، نعم لم يغادرها هذا الكابوس منذ أن رأت الرجال ذوي الزي الأسود يقتلون والدها أمام عينيها ..
ولن تستيقظ أمها بعد اليوم فتجدها بلّلت ملابسها وفراشها ، مع أنها لم تكن تفعل ، ولكن صوت القصف المُرَوّع والكوابيس المُرعبة تجبرها أن تفعل.
ستنام آية الليلة دون أن تحتاج أمها أن تعدها بأنّ القصف لن يصل لألعابها وعروستها التي أحضرها أبوها الشهيد،
ودون أن تحتاج أن تحكي لها حكاية ما قبل النوم ، حكاية تختلف عن حكايا سندريلا والأمير وبياض الثلج والأقزام السبعة ، بل حكاية تحكيها أمها عن أبيها ، كيف هو الآن في الجنة البعيدة يأكل وينام بأمن دون خوف من الرجال ذوي الزي الأسود.
ستصرخ آية صرخاتها الأخيرة ، وتسقط بين ركامٍ وعظامٍ ودماء ، وسيصبح لون شعرها الخروبي أرجوانياً ، وبعد أن يتسوّل الصليب الأحمر ساعة وقف إطلاق نار ، ستركض أمها الأرملة كمجنونةٍ تبحث عن بقايا أنفاس في جثة ابنتها الوحيدة ،، تبحث في الجثث ، تُلقي بنفسها على جثة محروقة ..أتراها آية !!لا ، لا ، إنها ليست ابنتي ، ابنتي جميلة ذات خدود وردية ، وخدود هذه سوداء متفحمة ، تهم أن تتركها لتبحث عن طفلتها بين الجثث ، تسقط عينيها على عقد ذهبي يتدلى من رقبتها ، فتنكبّ عليها باكية مُوَلْوِلَة :آية ..إنها آية ....
ستصرخ آية صرخاتها الأخيرة ، تسقط جثتها على الأرض التي مُلئت ظلماً وجوراً وتصعد روحها البريئة إلى السماء الطاهرة العادلة ، يستقبلها على باب الجنة محمد الدرة ، يقول لها بعد الترحيب ، :يا أخت العرب أتراكِ من غزة ؟
ترد عليه : لا ، لست من هناك ، ثم إنني لست أخت العرب ، فالعرب باعوا اخوتهم جميعاً ، باعوهم وقت أن باعوا فلسطين ، ثم هانت عليهم الأوطان كما هان الدين فباعوا بعدا سورية ..
يرد محمد : أي أختي .. تعالي هنا إلى رحاب الجنة ، حيث لا ظلم ولا قهر ، تعالي نطير كعصافير هنا وهناك ..
 الشهيدة الطفلة هاجر الخطيب


الأربعاء، مايو 23، 2012

في مايو الرابع والستين ...



في مايو الرابع والستين بعد مايو نكبة الأرض ، إن الناس لا يعانون من نكبة في الأرض فحسب ! ، إنهم يعانون من نكبة في الدين ، إن الأرض التي سُلبت لا يفتأ الشعراء يتذكرونها ويكتبون لأجل عينيها القصائد في كل ذكرى للنكبة ، ولكن القوم باعوا الدين ونسوه ، ولم يعد أحد يبكي على أطلاله ،باعوه بثمن بخس وكانوا فيه من الزاهدين ، البعض اشترى بثمن الدين غانية وانصرف للرقص ، والبعض الآخر اشترى ديناً مُزيّفاً وانصرف للافتاء ، ديناً يخترع للمرأة تسع وتسعين طريقة لوضع الحجاب ثم يترك شعرها مكشوفاً ، ديناً مكتوب على ظهره (صُنع في بلاد الكفر) وتاريخ الصلاحية يوشي بأن المنتج فاسد..



والقومُ حمقى يريدون العودة للأرض في مسيرة اصطف فيها –شباب الوطن- ، يضع الشاب فيها يده على كتف الفتاة التي تنكش شعرها وتربط الكوفية على خصرها ، انها حتماً تستعد لحفلة راقصة _وطنية_ !!،



ينظمون تضامناً مع أسرى الوطن في الشجون ، يصومون نهارا صيفيا طويلا ، يرجون الله أن يرحم حال أسراهم ، ثم يفطرون على سيجارة !


والقوم من شدة حماقتهم يعتقدون أنهم يسيرون في الطريق الصحيح..


والقوم بعد أربعة وستين عاماً يتهمون الله_عز وجل_ بالظلم ، لأنه لا زال يُؤخّر النصر عنهم ، أو لأنه لم ينزل ملائكة ويذهب هو وإياهم ليقاتلوا اليهود ويستعيدوا القدس ، ثم يدخلوها بسلام آمنين ، هم يسخطون لأن كل ذلك لم يتم بعد ، لكن لا يسخطون لأجل صف واحد لم يكتمل في صلاة الفجر ، لا يسخطون لأجل المئات المترنحين في الطرقات والأسواق بينما خطباء الجمعة يُجهدون حناجرهم ليذكّروهم بالله !


كثيرون دُفنوا في الغربة ، ذاقوا مرارتها وشربوا كؤوس الذل فيها ، لكنهم لم يعطوا الدنيّة في دينهم .. ففازوا


وأكثر منهم ، بقوا في أوطانهم ، باعوها وهم فيها ، باعوا الدين أيضاً .. فخسروا


في مايو الرابع والستين ... الذين سيُخلّصون الأرض من (النكبة)، هم وحدهم الذين لم يتعرض دينهم لـ (نكبة ) ...


أنا أستثني من (القوم) قليلين ، لا أعلمهم بل الله يعلمهم ..



السبت، أبريل 07، 2012

بَلْ يَقْتُلونَهُمْ رَمْيَاً بِالعِرْض




"كيف يقتلون الرجل يا أبي ،ويبقى حيّاً؟" ، سأل مُستغرباً بعد تفكيرٍ تبع نشرة الأخبار.



صمت أبوه بمقدار ما يكفي لحبس دمعة اقتحمت العين فجأة ، أراد أن يبلع ريقه ليجيب ابنه ، ففاجأه الحلق بالجفاف.


تابع الابن:أَرَمْياً بالرصاص ؟ ، ولكن المرميّ بالرصاص لا يبقى حيّاً!


قال أبوه بصوتٍ متقطع : بل رمياً بالعرض !


قال الابن وقد شحب وجهه إذ لامست مسامعه كلمة (العرض) التي اعتاد –وهو الصغير- أنها خط احمر لا يحق لأي كان أن يقترب منه ، قال : لست أفهم دمعتك المحبوسة في مقلتك ، اشرح معاني مفرداتك أكثر .


تنهّد أبوه تنهيدة تشي بمقدار الألم وقال : اسمع ، لو كنت تمشي وأختك في الشارع فعاكسها أحدهم على مرأى ومسمع منك ، هل يؤذيك ذلك ؟


قال: بل يمزقني أن يمس احدهم أختي أو أي عفيفة بنظرة.


نهض أبوه الذي أعياه السؤال ، نظر إلى النافذة ، حدق في السماء ، ليخفي تعابير وجهه عن ابنه ، ثم التفت نحوه وقال بهدوء يغمره حنان أب : أخبرك ، ولكن أخاف على قلبك الصغير يا بنيّ أن ينكسر ، فما سأقصه لك لو قصصته على جبل لتصدّع ألماً.


ردّ ولده الذي ثقفته وسائل الإعلام فأضافت أعماراً إلى عمره : لا تخف على قلبي ، فمنذ ولدت وأنا أتجرع خيبات الإنسانية.


قال أبوه : أرأيت العراق ، كيف اغتصبوها بنو الأصفر على مرأى العالم ...


يا ولدي ..إن بشراً يمتهنون الفساد ويتقاضون عليه راتباً ، يقتحمون بيتاً آمناً إلا من أذاهم ، فيجمعون الرجال ويوثقون قيودهم في زاوية غرفة ما ، بعد أن يُوسعوهم شتماً وضرباً ..


يقاطع الولد مفزوعاً : والنساء ! ، يضربون النساء ؟


يُكمل أبوه : ثم يأتوا بالنساء المهلوعات وعلى مرأى .... – يجهش بالبكاء حتى يعلو صوت النحيب ، بدون أن يمسح دموعه التي بللت لحيته ، يُكمل - .... وعلى مرأى رجالهم المُقيدين ، ينزعون عنهن ملابسهن ، ويغتصبوهن ، فتصرخ الزوجة باسم زوجها والأخت باسم أخيها مُستنجدة ، فيصرخ الرجل المُقيّد ، يحاول فك قيوده لينقذ عرضه من المذبحة ، فيفشل ..


يضع الأب رأسه بين كفّيه ، يجهش بالبكاء مُكرراً " يفشل .. يفشل"


يستأنف : يكرر مراراً محاولته إلى أن يصاب بالجنون وهو يسمع قهقهات رجالك الحكام فوق عرضه الصارخ الباكي ، عرضه الذي عاش يخشى أن تمسه نسمة هواء فتؤذيه ، اليوم يدمره إعصار من انحطاط الحاكم ، وعلى مرآه ..!!!


ثم –يا ولدي- يذبحون بعض النساء أمام رجالهن ، فيدعوا الدماء تبلل ملابسهم ، كي تلاحقهم رائحة الدماء أينما حلّوا .. ، ويأخذن الباقيات إلى حيث لا يعلم بهن أحد .


ولسوء الحظ أنهم يتركون الرجال أحياءً ، قد يسحبوهم إلى السجون ، ليقضوا أيامهم بين مرارة الوحدة وذاكرة تحرق ..


وقد يطلقون سراحهم ، لتقتلهم الذاكرة في اليوم ألف مر ، فيعيشوا العار كلما رنت في آذانهم صرخات عرضهم المذبوح ..


أعلمت كيف يقتلون الرجل ويبقى حياً..


قال الابن : عندما يقتحمون بيتنا .. سأقتل أمي وأختي أولاً ..






الخميس، يناير 05، 2012

غزة تُسامر حمص في ذكرى الحرب ..





يا حمص ..من يرثي الآخر في كانون الثاني هذا ..!


يا حمص ..إن نفذ آخر ما تبقى من شمع لديكِ ، فاجلسي في هذا الظلام أتلو عليكِ الوصايا العشر ، التي تبدأ ب (لا تستسلم) وتنتهي ب (لا تستسلم) وما بينهما من النهي عن الاستسلام ثمانية ..
لا تخافي إن بكى أطفالك جوعاً خلال حديثنا ، فالجوع لن يُميتهم ، إنه مزّق أحشاء أطفالي أول النهار فما إن جاء آخره حتى غدوا رجالاً.
ولا يُقلقكِ صراخ رجالك الذي تسمعين ،وإن كانت صرخات الحناجر الأخيرة ، كل ما في الأمر أن الأوغاد المغفلين اشتروا لهم الجنة ودفعوا الثمن دون تردد وهو  "الخلود في النار".
ولا تخافي على النساء من بعدهم ، إنهن لن يزنين ولن تأكل إحداهن بثدييها ، سيرزقهن الله صبراً يطعمنه لأطفال أزواجهن الشهداء او المعتقلين ،والصبر يا حمص وحده عبث ، سيلقنونهم أن للقصاص أربعة احرف تُكتب بالنار أو بالدماء ..


ها ان طمأنتك على أبنائك فتعالي أسامرك يا اختي في الإسلام وفي العروبة والشرف ..
ما أشبه يومك بأمسي ، فتعالي من تجربةٍ لم يندمل بعد جرحي منها ، أقرأ على رأسك آيات الرقية ،أرقيكِ من اجتماعات الجامعة العربية ، وأعيذك بالله من التدخلات الأجنبية ..
تعالي أحدثك - فأنا أكثر منك تجربة - كيف أن الشيطان وأتباعه طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد ، والشيطان يا حمص نهايته مقززة على أيّ حال ، النار مثواه وبئس المصير ..
عدويّ يا أختي وعدوّك واحد ، وإن كان عدوّانا أعداء ، فكلاهما يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، وكلاهما يتبدلون الخبيث بالطيب ، ويفسدون في الأرض ، يذبحون الرجال ويستحيون النساء ، يستودعوهن السجون ، ويتركون الأطفال في البرد والجوع ، لينمو الثأر في نفوسهم مع كل ارتشافة بردٍ يرتشفونها .
وأما عن الشرف يا حمص ، فهذا الذي ينغص عليّ حياتي كلها ، الشرف يا حمص سبوه في السجون ولا بدّ أنهم انتهكوه ، دمعي دماً على النساء ،والفتيات اللاتي لم يمسسهن بشر ، ماذا حلّ بهن في  غرف تحت الأرض لا يدخلها عليهنّ إلا شياطين الإنس ..


آه يا حمص ...
تعالي اخبرك أن الشباب لن يكلّوا ، هم كذلك ، تغلي الدماء في عروقهم لا يبردها سقوط  الثلج على اجسادهم المُعرّاة وقت التعذيب ، وشبابكِ يا مدينة الإباء لا يرضون الذل ، سيقاومون حتى آخر رمق ، ولن تبخل امهاتهم  بهم عليكِ ، ولكن الحذر واجب ، إن كثر فيه الصالح فاحذري الطالح ، فالشياطين ستوحي لبعضهم  زخرف القول وستغريهم بعلبة سجائر آخر النهار ، قليل هم الذين سيستجيبون ، ويخونون أمانتهم ويصبحوا أعدائك ، فربما يقتل الجار منهم جاره أو يخطف الاخ اخيه ..


لا تستغربي يا عزيزتي ، العملاء لا بدّ منهم ، المنافقون أمر حتمي الوجود ، إنهم موجودون حتى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ..


اسمعي يا عزيزتي ..لتلبس نساؤك الأبيض وهنّ يودعن رجالهن ، وليقيموا أفراحاً للشهداء لا بيوت عزاء ، ولتزغرد احداهنّ إذا وصلها ابنها شهيداً ..
الشمس يا حمص ما زالت تشرق كل صباح ، فلا تخافي الظلام
قفي منتصبة ،وابصقي في وجه رأس الظلم ، واخبريه أنكِ لم تعودي خائفة البتّة ، إنما أنتِ مؤمنة بزواله ، وتنتظرين ساعة الانهيار ..




أختكِ : غزة



الثلاثاء، ديسمبر 27، 2011

الذاكرة تصارع شبح النسيان..


وفاءً للذكرى التي تخشى شبح النسيان..
وفاءً للألم الذي مازال ينخر في العظم نخراً ..
وفاءً للدماء القانية التي قطعت على نفسها عهداً ألّا تجف ..
وفاءً للآه التي كُتمت في الحناجر.. احتفاظاً بالنفس للوجع  ..
وفاءً للدمع الذي اتخذ على الخد مجرى ..
وفاءً لكل من كان هنا وقت الفاجعة كان عليّ أن أكتب ..

أكتب عن الفراق .أقسى ما تركته الحرب  خلفها ..

اليوم سيجلس من تبقى من أطفال (السموني) في حلقة مستديرة  في إحدى الغرف التي  أبقاها الجنود قائمة ليساعدوا الذاكرة على تعذيب هؤلاء ،سيصمتون كثيراً قبل أن تبدأ منى بسرد القصة : "كنت مع إخوتي بالقرب من أبي حينما جاؤوا الجنود،كانت أمي تعد لنا آخر ما تبقى من طعام في البيت ..اقتحموا البيت ..كسروا بابه ،-تشير إلى الخارج -من هنا جاؤوا مُصوبين السلاح نحونا ، أطلقوا النار  على الجميع بشكل عشوائي ..لم يأبهوا لصراخنا  ..حمقى رصاصاتهم التي أصابت كل من حولي وأخطأتني "،وتصْمت ..

سيأخذ أحمد دوره في الحديث : حبسونا في غرفة واحدة لعشرة أيام قالوا لنا :"لا تخرجوا حتى نأذن لكم" ،أخذوا الرجال جميعا وتركونا والنساء اللواتي أخطأهن الرصاص في الاقتحام الأول ، في غرفة معزولة..نفذ الماء ..كان علينا ان نملأ من دموعنا أكواباً ونشرب ..
ولكن صوت الجنود يسخرون من صراخ آبائنا حين يطلقون عليهم الرصاص جفّف الدمع في مآقينا ..
سيصمت أحمد هو الآخر ليسبح مع منى حيث سبحت ،،يكملون القصة مع أنفسهم ..كي يصلوا إلى قمة الألم وحدهم دون أن يشاركهم أحد .. 

ايمان التي لبست اليوم قميصها المخضب بدماء والدتها وشقيقتيها والذي ترفض غسله ،لن تتفوه بكلمة واحدة، ستترك المجال للقميص كي يتحدث وحده ..
بعد قليل ينهضون ، يقطفون الورد الأبيض من أرض تحدت العقم وأنجبت زهرا ..ويتوجهون إلى مقبرة العائلة ، يضعون الزهر بجانب القبر ، ويحكون للشهداء قصة الحياة المريرة بعدهم ..

اليوم سيتذكر خليل أن يوما ما كان له أقدام وأيدٍ، وسيتذكر كيف استيقظ فوجد أنه يمتلك نصف جسد وأودع أهله النصف الثاني على مرآه التراب ،" هل يكون التراب أميناً عليهم !"، سيبكي والدمع المالح سيعذب خديه لأنه لن يستطيع أن يمسح دمعه ..
اليوم نتذكر كيف صرخنا ..وصرخنا ثم صمتنا ، لأننا لم ننل من الصراخ نجدة ، فقط بُحّ صوتنا ..!
سنتذوق مرارة عقوق الأخوة ..ولكن لن نقف هنا كثيراً ..ربما لأن الحرب علّمتنا أن لا أخ لنا في النائبات ..

فقط كنت أريد أن أساعد في تخليد الذكرى ،كي انام اليوم مطمئنة،هي أمانة قد أديتها هنا
أعتذر لك يا نفسي لأنني لم أبح هنا بكل ما اشتهيتِ أن يُكتب 
ولكن هذا ما استطعت أن أكتبه



هنا كتبت سجود في الذكرى الثالثة للحرب على غزة 

السبت، أكتوبر 29، 2011

هَلْ تَغْفِرُ لِي ... أوْ أَغْفِر ..!



قبل ثلاثين عاماً ... بعدما كبّلوني بسلاسل حديدية ثقيلة وربطوا على عينيّ العصبة ، وبعد محاكمة على طرازهم حُكم عليّ فيها بأربع وعشرين مؤبداً ، ساقوني إلى غرفة مظلمة ، عارية ، موحشة ...أنا ابن الاثنين وعشرين ربيعا ،أنا الذي لم أرَ في دنياي إلا الحنان عليّ ، أنا أعيش في هذه الغرفة القاسية أربعة عشر مؤبداً ، يا لسفاهة اليهود ، إن كان المؤبد سبعة وعشرين عاماً ، فيكفي مؤبدين أو ثلاث لأكون نزيل سجونهم طيلة عمري ، وعندها سأطلب منهم أن يحفروا لي قبري في نفس الزنزانة ، إنهم لغيظهم يزيدون في عدد المؤبدات ليضغطوا عليّ ويحطموا نفسيتي ، ولكنني كنت يومها بارد الأعصاب بشكل استغربته من نفسي ، قلت للسجان : ماذا لو جعلوها عشرين مؤبدا مثلاً! ثمّ إن رقم عشرين أفضل من أربعة عشر ، فازداد السجان غيظاً فوق غيظه ..

أدخلوني أنا صاحب الأظافر الناعمة إلى غرفة قذرة ، وكثيرا ما ضربت أمي بي الأمثال في النظافة ،حصير متعفنة .. يكفي ، بذخٌ أن أفكر في أكثر من ذلك ..
مرّت الأيام ... كل يوم أحاول التأقلم على هذا الصديق القذر الجميل ، وعندما أشعر بالاختناق أذهب بذاكرتي إلى ذلك المشهد : يوم قتلت منهم ما يربو عن ثلاثين لعيناً ، في حافلة الجنود المتجهة إلى "إيلات" ، فيتلاشى اختناقي عندما أستذكر صوت صراخهم ، لكني لست وحشاً كي أستلذ على صراخ بشر آخرين ، كل ما في الموضوع أنني رفضت أن أجلس كالرزايا وبيتي يُسرق وأختي تُغتصب في قعر بيتنا ، كان عليّ أن أنتقم -على الأقل - لأجل الله الذي حرقوا كتابه أمامي ، لقد كانوا قوماً بلا دين ..


قلّبت الثلاثين عاماً وأنا أنظر إلى شبابي الذي التهمته الجدران الأربعة ، لم أحاسبها يوما على ما فعلته ، بل زينتها ، رسمت على جدرانها بيتي الذي أحلم أن أعود له ، رسمت شجراً وعَلَمَاً له ألوان أربعة ، رسمت عيون أمي وجدائل أختي ، كفيّ أبي تقطف الزيتون ،،..، ورسمت بيتا آخر تبدو من نافذته امرأة بعينين عسليتين واسعتين ترقبني أعود كنت قد تركتها عروس في رحمها طفل لي ، وطفلاً يحبو وينطق أولى حروف اسمي وكتبت تحته "إنها عائلتي " ، وجدار أفردته لخارطة أرضٍ أعشقها وحددت عليه يافا والقدس و "إيلات" ،، الأولى حيث بيتي والثانية حلمي ، أما الثالثة ففيها مجدي ..


ورسمت مكاناً لي في الجنة ، واعتذرت للجنة إذ رسمتها على جدران قذرة ولكنها سامحتني فهي تقبل النظيف من الأفكار..


كنت أنظر إلى شعاع شمسٍ يتسلل خفية إلى الزنزانة كل صباح ، فأفكّر :هل ما زالت الشمس تشرق ، وإن كانت تفعل فهل لا زال قرصها كبير مدوّر أم أنها استحالت إلى خيوط ضعيفة تتسلل إلى غرف السجناء مثلي ؟ يا ترى هل إن رأتني ستتعرف ملامحي ؟ صحيحٌ أن جسدي صار نحيلاً ووجهي شاحباً وأصبحت أحمل من الأعوام ما ستتعجب هي إن عرفته ، ولكنني ما زلت أنا صديقها الذي كان يستيقظ قبل شروقها يستعد لترحيبها ،، فهل تذكره ؟!


سجني .. يعني أنني ازدت قُرباً من الله .. ومن فلسطين ، شعرت بقوة الله تحميني ، غمرني إيمان بما فعلت ، هوّن عليّ يقيني بعدل الله ظلم السجن وظلامه ، كنت دائما أناجيه ، وحده يستطيع أن يسمعني في ذلك المكان المعزول ، فأشعر بردّه عليّ بسكينة تغشاني .. كم تعلمت في تلك الغرفة الصغيرة أنّ الله كبير ..

اليوم أنظر إلى المرآة ، وألوم جدران السجن بصوت أمي : أنا أعطيتك ابني شاباً وسيماً أسود الشعر واسع العينين ، عريض الأكتاف ، طويل القامة ، انظري ماذا حلّ به ،، الشيب غزا شعره ولحيته التي أطلقها ، اضيقّت عيناه التي كانت راحتي ، انحنى ظهره ، شحب وجهه ،،،، إنه ليس ابني الشاب الذي زوجته من أجمل بنات يافا لقد غدا كهلا بأعوامه الخمسين ..

بعد ثلاثين عاماً ، اكون قضيت مؤبدا واحدا ،، وبقي ثلاثة عشر مؤبدا إلا ثلاثة أعوام .. ليس مهمّا ، وهبتُ هذا العمر لله كما وهبت النفس قبله ، أظن انهم سيحتفظون بجثتي في تابوت في قبر أسفل أرضية زنزانتي حتى أقضي مؤبداتهم كلها ، ثم يعيدوا بالتابوت لأهلي ليدفنوه في أرضهم .. ولكن قبل الممات دعوني أنظر إلى عينيّ أمي التي كنت أنا بكرها ، دعوني أُقبّل يديها ووجنتيها ، دعوني ولو لمرة أن أبكي أنا الكهل في حضنها وأقول لها :" ماما .. لن أزعجك بعد اليوم " ...
دعوني انظر إلى عيني زوجتي ، وألتمس منهما السماح ، "تركتكِ فتاة رقيقة ، جميلة ، لم تكملي العامين عندي بعد ، وتركت طفلا في أحشائك ، كم هي كبيرة أمانتك !، وكم هي ثقيلة مهمتك التي ألقيتها بغيابي على عاتقك !،، سامحيني .. فقط سامحيني"..

اليوم وبعد ثلاثين عاماً يطرق باب زنزانتي ذلك السجان القصير ، صاحب الوجه الأنمش ، يبدو أنه من يهود أوروبا ، ذاك الرجل الذي لم يكن يأتيني إلا بأسوأ الأخبار ، يطرق الآن في هذا الصباح المبكر زنزانتي ، أنتظر أن يفتح فمه الكبير كمغارة وينطق الأمر الذي ساقه إليّ ... قال بلغته العربية المكسرة :" اللعنة على مقاومتكم ،، اللعنة على من يدافعون عنكم " ،
نظرت في وجهه الأبيض الذي أحاله الغضب إلى الاحمرار ، وقلت مستهزئاً : وما الذي يذكرك بمن يدافعون عني في هذا الصباح الرائق ؟ ، أكمل بنفس الحدة :" بل اللعنة عليك أنت "
قلت بهدوء علمني إياه السجن :" هدّئ من روعك .. إياك أن تنفجر وتتطاير حممك في زنزانتي ، سيحكمونني ثلاث مؤبدات أخرى بتهمة تفجيرك " وعلا صوت ضحكي الساخر ..
قال : أنت وأمثالك كنتم سبب تأخير صفقة الإفراج عن جندينا المأخوذ ظلما لدى مقاومتكم اللعينة ، التي تأسر الأبرياء بلا وجه حق ، دولتنا العبرية ترفض خروجك وأمثالك الذين تلطخت أيديهم بالدماء البريئة ، لأنكم سبب الفساد والإرهاب في العالم ، بينما قياداتكم الإرهابية تصمم على خروجكم بصفتكم مجدها ، إنكم لإرهابيون حقاً .... " ثم اخذ نفسا عميقا بعد المهمة الصعبة التي نفذها أمامي ..، كنت وقتها أستمع إليه بابتسامة رُسمت على شفتي ، وبعدما انتهى قلت :" إذا يا حاييم .. هذا ليس كلام جديد أنا أعرفه ،، فما خطبك اليوم .. قل ما لديك ودعني لصلاتي ، وقت صلاة الضحى بدأ يمضي "
قال غير مُكترث لكلامي وقد ازداد حنقاً لهدوئي :"جئت اخبرك أننا أخيرا سنحصل على بطلنا المأسور لدى أصدقائك المجرمين ، فاوضنا كثيراً لنستعيده "


قلت مستغرباً:" وما ذنبي أنا لتعكر عليّ صباحي ،، ولمَ انت غَضِب !، (بطلكم) سيخرج لكم "


قال بنفس الغضب وقد خفت وقتها لأن ينفجر حقاً :" جئتك لأنك واحد من الألف أسير الذي سيخرجون في الصفقة "
قال كلماته الأخيرة ومضى طارقاَ ورائه باب الزنزانة ،، مضى وتركني ورائه كتلة متجمدة رغم قيظ الصيف ، تشنج جسدي كله وهوى ، فحملته ركبتيّ اللتان استندتا للأرض ..


جال بخاطري كل شيء . يافا ، إيلات وجنودها القتلى ، حضن أمي ، عيني زوجتي ، أبي الذي شاخ ، طفلي ، فلسطين ...
استعدت قواي، بدأت أستوعب الأمر ، وقفت صارخاً:" سأكون حراً ، سأكون حراً ، بلا قيود ، بلا سلاسل ، سأرى قرص الشمس المدور كل صباح ، أنا حر .."


عندما توقفت عن الصراخ وجدت وجهي يقابل تلك المرآة الصغيرة التي علقتها على جدار الزنزانة لأرى كيف تعبث الأيام بشكلي ، وإذ بي أرى رجلاً كهلاً غزى شعره الشيب ..






استغرقت طويلا وأنا انظر على الشيخ الهرم أمامي في المرآة ، وجال في خاطري "كيف يستقبلونني" ، نعم ..أهلي الذين منعوهم من زيارتي منذ أكثر من عقد ، كيف يستقبلون ابنهم الشاب ،أقصد الذي ودّعوه شاباَ ..
أقسى ما سألقاه ... عيني زوجتي ، سأقف خجِلاً أمام انتظارها ، ولا شيء حسب ما علمت أصعب من انتظار من لن يعود ، سأطلب منها أن تسامحني على شعرها الذي شاب مقدمته ، ووجهها الذي علته بعض التجاعيد ، وسأتوسل لها أن تغفر لي سهرها وما خلّفه من سمارٍ تحت عينيها .. سأبكي بين يديها ، سأجهش ..
أما هذا فلا أظنه أقل قسوة من ذاك .. سأرى ولدي الذي غدا أباً لطفلين .. سحقا! أصبح أباً دون أن يشعر يوماً بطعم الأبوة ، بحنان الأبوة ، بقسوة الأبوة .. لن ادري هل تحملني قدماي وقت أن أراه ...
هل يسأل أمه في ساحة المنتظرين :"أي من هؤلاء القادمين نحونا هو أبي ؟" ، وكم هي الحسرة التي ستاكل قلبي وقتها لو سأل ..
سأراه يتفرّس في وجوه المحررين ، يسأل نفسه .. أيُّهم أبي ، أيُّ مرارةٍ تلك التي يغرق في بحارها قلبي ..!
كيف أحتضنه وأقول له (ولدي) .. هل يصفح لي هو الآخر ..
أم سيسألني بقسوة والدمعة تحبسها عيناه .." هل تعرفني ..!!" ،وهل تقنعه إجابتي " رسمتك بجانبي .. كبرت معي في زنزانتي من الميلاد حتى الزواج" ..!
لا بأس..ليكن ما يكون
لأحزم أمتعتي ، وأترك جدران زنزانتي لسجين آخر ، هي قدره ..

الأقدار .. إنها الأقدار ـــــــ وكفى .


الأحد، أغسطس 28، 2011

وَنَطَق ..






أشهد أن قلمي لم يكن يوماً عقيماً ، ولن يعقم – إلا أن يشاء ربي -  ولكنّي لا أدري –لحظّي أو لتعسي – أسقطت عليه الإنسانية حين انتزعها عن جلودهم كثير ممن خلقهم الله بشراً ، فباتوا يسيرون عراة ، فبعض القماش لا يستر عورة من خلع لباس التقوى.....، وليست الإنسانية ببعيد عن ما أمر به الذكر الحكيم أو نهى عنه ، بل لعلّهما يفضيان لمعنىً واحد .. فيتوقف على أعتاب صفحة بيضاء ، خَجِلاً  من ذلك الفراغ الذي اُعدّ له ، فيلقي كل أعذاره مُتكئاً على الحاشية ، يُوَسوَس له باتّباع طريق كثيرٍ من الأقلام التي أُضلّت فَغَوَت ، وانتفشت فَعَلَت ، ولكنه انتفاش الورم ...، أو يقولون :" لعمرك إنك هرمت والاستقالة حقٌّ لك " ، يستعيذ قلمي من شر كل وسواس خناس ، ويمسح على رأسه الذي اشتعل شيباَ مُتَمْتِمَاً ببعض الكلمات ، ربّما كان يرقي نفسه ...
صمت قلمي إما مدهوشاً أو مُحتَجّاً أو حزيناً ، برغم قربي الشديد منه إلا أنه آثر بأن يحتفظ بالسبب لنفسه ..
صمت قلمي ولكن الضمير فيه أبداً لم يمت ، فكل الصور التي تَرتسم أمام عينيه تستنطقه ، كل الأصوات التي تصل إلى أذنيه تستنهضه ،
يا إلــــهي ...! ، جُلُّ الذين ابتلاهم  الله – عز وجل -  بألّا ينطقوا ، رحمهم بأن جعلهم لا يسمعون ، فأيّ مصابٍ جَلَل أصبت به يا قلمي ..
إنّه – بشموخه – يترجل في هذه التدوينة عن مقعده في الحاشية ويرمي عكازه جانباً ، يربط العصبة على رأسه نازلاً لأسطر الصفحة المتراصة المنتظرة نطقه ، مستحضراً نيّة الجهاد ، بل ومقسماً على أن يقول الحق ، ولا شيء سوى الحق ، مُرتدياً إنسانيته ؛ كي لا يكون جائراً.
سيحدثكم قلمي رافعاَ رأسَه بأناس ٍ لم يسمع عنهم إلا خبراً فاحترمهم ونطق لأجلهم ، بل لأجل  الحق .

يُخَيّل إليه ذاك المشهد ، كانوا يومها يلبسون زيهم العسكري ، شامخي الرؤوس ، واضعي أيديهم على كتابٍ أصبح في زمننا للتبريكات والقسم ،  يقسمون الولاء لله وللوطن وللشعب ....، كثيرون غيرهم كانوا معهم ،أقسموا نفس كلمات القسم ، ولكن فيما بعد افترقت بقلوبهم السبل رغم اجتماع أجسادهم على ظهر دبابة واحدة ..!

ويَمُرّ أمام عينيه  شريطٌ من صورٍ لحياتهم ،هو لم يشهدها بل  رسمها في مخيلته ، ويمُرّ إلى أنا يصطدم قطار صورهم بالصورة الأخيرة ....
سيقف  قلمي في منتصف الصفحة على السطر الأوسط ، ليشاهد .. طُلب منهم أن يمشوا بين الناس عُراةً ، طُلب منهم أن يخلعوا لباس التقوى أو الإنسانية  - واتفقنا أنهما يفضيان لمعنى واحد - ، طُلب منهم أن يخونوا القسم ، الدين ،الوطن ،الشعب ...، " قف أيها الجندي بلباسك العسكري واحمل علم قومك بأيّ لونٍ تلوّن ، وامتشق بندقيتك و – كَرَجُل -  صَوّبها نحو أمك وأبيك ، نحو صاحبتك وبنيك ، وعشيرتك التي تؤويك ، ومن في الأرض جميعا إن كانوا لسيدك مخالفين ، بل صَوّبها نحو ضميرك واقضِ على أيّ نبضٍ حيٍّ فيه ، اجعله جماداً بل ادنى ..
ضع أصبعك – الذي يشهد لله بالوحدانية – على الزناد ، واضغط على قلبك بنعليك المُتّسِخَيْن وأَخْمِد كلّ الزفرات والشهقات ، اضغط على الزناد وانظر في عينيّ ضحيتك ، ممنوع يا هذا أن تُطأطأ رأسك أو تزوغ ببصرك ،لا تفعل الذنب على استحياء ، بل كُن وقحاً بقدر ما تستطيع ..
قلمي ، رغم الألم ينتصب ويمشي مُفتخراً إلى الأسطر المتبقية  ليكتب الآتي .."إنهم يُلقون بنادقهم ، قال : أفعلتم قبل أن آذن لكم ؟! ، أعطوه ظهرهم ومشوا ، ناداهم : لأحرقنكم ولأصعقنكم كما فعلت بالذين عصَوا من قبلكم ، التفتوا إليه : افعل ما بدا لك إن ربنا وعدنا وعد الحق وأنت وعدتنا وعد الباطل ، يصرخ: إنها لشياطينكم التي أوحت لكم بالثورة ، إن عُدّتُم واستغفرتم فسأغفر لكم ، قالوا : بل ستكون من المقتولين ... وبغضبٍ يتقَطّر من جبينه أصدر أمره لزبانيته أن اربطوهم و بالرصاص ارموهم ، لا تدفنوهم بل علّقوهم هناك ليكونوا عِبرةً لكلّ من فكّر بأن يرًدّ أمري هنا ....


إهداء إلى أرواح الجنود السوريين الذين أعدمهم بشار لأنهم رفضوا اطلاق النار على المتظاهرين 




الاثنين، أغسطس 08، 2011

جني الثمار

شيء ما يجذبني بعيدا عن  كتابة تدوينة جديدة ، كلما هممت أن أكتب واحدة ، أجد في نفسي شيئا يردني عن ذلك ، ومصارحة مع نفسي أولاً ثم معكم ، أنني لا أدري ما هو منبع هذا الشيء.. ، كنت قد كتبت تدوينة بعنوان "عن عامٍ مضى " ولكنني لم أنشرها ، لا أدري لماذا ....!
ومنذ  يوم نتائج الثانوية العامة (24/7) كنت فتحت تدوينة جديدة كتبت عنوانها "جني الثمار " ثم أغلقت صفحة الانترنت دون اكتراث ، كنت أريد أن أخبركم وقتها  عن نتيجتي التي لم أُسَرُّ لها كثيراً ، ولكني حمدت الله عليها ، فالمستويات هذا العام متدنية جداً لسبب ذكرته في التدوينة السابقة ..
كانت نتيجتي 93% .... الحمد لله ، تمنيت الامتياز وحصلت عليه رغم أنني كنت أطمح لأكثر من ذلك ...

أعدكم بأن اكتب كثيراً ، فأنا جائعة للكتابة ، أريد أن أكتب ولكن ....

الثلاثاء، يوليو 05، 2011

رُتُوش ثَانويَة عَامّة ...

"عن عامٍ قضيته " كان هذا عنوان التدوينة التي كنت عزمت أن أكتبها بعد عودتي من عام الدراسة الجميل، القبيح، اللذيذ ،الممتع ،المنهك ،المثير الممل ، كنت كلما فكرت بأول تدوينة يخطر ببالي هذا الاسم ،وأقول : سأحدثهم عن يوم طويل على كرسي المكتب المزعج ، وليلي الذي هو  أربع ساعات للنوم وعندما يزداد كرمي اهب لنفسي خمس ،
ولكن أشياء أخرى حصلت جعلتني أكتبها تدوينة أخرى ،ليس مهماً ،  ومنذ متى نحصل على بعض ما نخطط له ؟!.
في اليوم الأول :الخامس عشر من يونيو المنصرم كان العرس الفلسطيني  الكبير يبتدىء مع تكبيرات الفجر ، انهم جميعاً ...الشباب بزيهم الرمادي والفتيات بطرحاتهم البيضاء ، صحيح أنه قد شذَ البعض عن الزي الرسمي للفرح الكبير ، نعم جميعهم خرجوا مع الساعة الثامنة أو يزيد بدقائق معدودات ، يحملون في يديهم الهوية وورق الاستمارة وأقلام ، وفي عقولهم محتويات كتب عكفوا عام كامل على دراستها ، وعلى كاهلهم حلم وطن كبير أثقلهم بأمنياته منذ الميلاد .
مثلهم خرجت بشالي الأبيض ، فأنا ما احببت يوماً أن أخالف هذا الزي الذي أحبه وأبغضه معاً ، لم أكن خائفة كمثل غالبية الطلاب ،  فهذه المرحلة تشكل الرعب الأكبر في حياتهم ، والحمد لا يرجع إلا لله ثم ربما لاستعدادي الذي أظنه كان كاملاً، كانت لغة عربية جلسة أولى ، وهنا انتابتنا الصدمة ، انها لا تشبه أيّا من النماذج الكثيرة التي  أجبناها ، إن الشكل جديد والأسلوب جديد ومستوى الصعوبة غير الذي اعتاد الجميع عليه ، هوننا على أنفسنا الأمر وقلنا عساه يكون هو فقط كذلك ، وعلى الرغم من أدائي الجيد إلا أنني لم اكن راضية عن نفسي ، وتوالت الاختبارات ، على نفس الوتيرة من التجديد في الشكل والمضمون ، حتى وصلنا للاختبارات التي تفرق بين قسم الأدبي والعلمي ، فما سبقها من خمس اختبارات كان مشترك بينناا ، كان الرياضيات جلسة اولى وكانت الصدمة الأكبر لنا ، لا بأس اعتدنا على هذا الأسلوب الذي لم يبرره أحد ، توالت الاختبارات من كيمياء وادارة وأحياء ، وكل يوم يسوء المستوى ، وصلت نفسياتنا إلى حد الاحباط ، البعض لم يكن يمتلك أعصاباً تجعله قادراً على  التحمل ، فأثرت الاختبارات الأولى على التي تلي تلتها فأخفقوا فيها جميهاً ، وصلنا إلى الاختبار الاخير ، فيزياء للقسم العلمي وثقافة علمية للقسم الأدبي ، قلنا عساه يكون الأخير جيد وكما يقولون ختامها مسك ، وعلى صعيدي ولا أخفي عليكم أنني كنت أعد نفسي طوال العام لأحصل على الدرجة الكاملة في الفيزياء ، اجتهدت كثيرا في هذه المادة حتى أحببتها ، بل عشقتها ، كابرت على الاحباط وتوجهت في الرابع من يوليو من الشهر الجاري إلى  المدرسة ، في التاسعة صباحاً كالعادة ، الشرطة على الباب لضبط الأمن ، الاسعاف حول المدرسة خوفاً من حالات الاتهيار ، يتم توزيع دفاتر الإجابة ، نكتب البيانات على الورقة التي سيتم اخفائها فيما بعد وقت التصحيح ، ثم تأتي أوراق الأسئلة في سيارات حكومية محمية بسيارات الشرطة ، في التاسعة ودقيقتين تم توزيع ورق الاختبار لنرى ما رأيناه في الأوراق السابقة ، أصابني اليأس ، إنني لن أحصل على الدرجة الكاملة في الفيزياء ، بذلت كل ما في وسعي ، كانت الساعتين ونصف "حصاد العام الكامل" تشارف على الانتهاء ، لا أنسى أنني ضربت الطاولة بأطراف أصابعي ، كانت ضربة خفيفة ، ولكن لفتت انتباه الجميع المتوتر في تلك القاعة التي لا تسمع فيها إلا أزرار الآلة الحاسبة تُضرب بشكل سريع متتال.
 الحادية عشر والنصف نستعيد حريتنا كما كنا نقول أنا وكل طلاب الثانوية العامة مازحيىن ، بأننا نستعيد حريتنا في ذلك الوقت .
خرجت من القاعة قبل انتهاء الوقت بأربع دقائق لأنال شرف الخروج بنفسي ، قبل ان تاتي احدى المراقبتين تطلب مني دفتر الاجابة غصباً.

العام الذي عشناه كحرب انقضى والاختبارات التي عملنا لأجلها ليلاً نهاراً انقضت أيضاً ، ولكن من حق كل طالب تقدَم لهذه الاختبارات أن يتساءل عن التغير اللامسبوق في اختبارات الثانوية العامة ..
صرَح أحدهم في وزارة التربية والتعليم على أن الأمر مقصود لتخفيف نسبة الخريجين من الجامعات بدون وظائف ، على ما يناقضه ، نفى وكيل تربية غزة هذا الامر وجزم أن الاختبارات كانت عادية وطبيعية،مشرفون في التعليم قالوا بأنه منذ خمس عشرة سنة لم يتقدم الطلاب في فلسطين لأصعب من اختبارات 2011  .... لا بأس اعتدنا على التضارب في الانباء عن حدث واحد ، ولا سيَما زيارة د.عسقول "وزير التربية والتعليم سابقاً" لمدرستنا يوم اختبار الكيمياء ، يومها قال بأنهم سينظروا في شكوانا .

ولكن آخرون أرادوا ان يلعبوا بالمشاعر ، فقالوا :"لأجل الوطن " ، نعم اختبارات صعبة بشكل غير معقول لأجل انتاج جيل قوي قادر على حماية هذا الوطن ،لم أدرِ وقتها هل أصدقهم أم لا ، وإن أردت تصديقهم فكيف أقنع نفسي بأن طلابا حُطمت آمالهم في الحصول على التخصصات التي كانوا يحلمون قادرين على بناء الأفضل ، وأقول لِمَ لا أصدقهم فربما كانوا صادقين ونظرهم أبعد من نظرنا ...

على كُلٍ .. هناك أشخاص يهبون أجسادهم ليصعد عليها الوطن ويعلو ، فهل أبخل بأيامٍ سهرتها لأجل أن يرقى هو ..
ولكن ماذا لو كان سيصعد على سهرنا آخرون ويبقى الوطن في الأسفل ؟؟
ربما يتقلب  ذاك الوطن المتورم بالفساد ويفتح نصف عينه اليمنى ويقول :"تباً ...لم اطلب منهم ان يفعلوا بأبنائي كل هذا " ، ويعود ليغفو ثانيةً ...

لن أخرج في المظاهرات الاحتجاجية المنددة بأسلوب الاختبارات التي تجوب شوارع المدينة وتتمركز بالميدان في وسط البلاد.
سأنتظر ... ليس يوم النتائج.
بل يوماً أرى فيه الكبار يعملون لمصلحة الصغار الذين سيصبحون فيما بعد كباراً.